.:: إعلانات الموقع ::.

قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

الإهداءات

العودة   منتديات أفـــاق دبـــي الثقافيـــة > كليةالشريعة College of Sharia > سنة ثانية كلية
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: Sjenjzyhrf Un tournoi vol Net Obyfzpuxpdpnxpl (آخر رد :kF2nD3cK9s)       :: Bltkaijagxdkhcnr En we eigenlijk gewoon hielp haar mee Senbgbqekcaluogvstb (آخر رد :zB2tX9pU9k)       :: Oqifdkvljjgaagc A differenza di base e lite Hctickcmhaitnuzz (آخر رد :kF2nD3cK9s)       :: أكبر شيخ روحاني لرد المطلقه 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: أكبر شيخ روحاني لرد المطلقه 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: أكبر شيخ روحاني لرد المطلقه 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: أكبر شيخ روحاني لرد المطلقه 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: أكبر شيخ روحاني لرد المطلقه 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: اقوي شيخ روحاني لفك سحر الربط و الخمول 0036212525384 (آخر رد :كيفك)       :: اقوي شيخ روحاني لفك سحر الربط و الخمول 0036212525384 (آخر رد :كيفك)      

« آخـــر الآخــــــبـار »

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
(#1)
قديم
أفاق : الاداره
مراقب
مراقب
 
علم مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورته المعاصرة - 01-14-2012, 04:44 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


علم مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورته المعاصرة

الحمد لله الذي شرع فأحكم، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأعظم، وعلى آله وصحبه أولي القدر الأكرم، أما بعد :

فإن من الأهمية بمكان أن تتم قراءة النصوص الشرعية قراءة مقاصدية؛ لإيجاد نوع من التوازن الفكري، وبسط هذا الفكر على مناحي الحياة، بدل حصر النصوص في نطاقها الزماني الذي نزلت فيه فحسب، أو إطارها المكاني الذي سيقت من أجله فقط.

فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية، كما جاءت لإصلاح شؤون الناس في العاجل والآجل، وشرعت من الأحكام ما يناسب المقدمات والنتائج.

هذا، وإن علم المقاصد من العلوم العَلِيَّة، والمباحث الجليلة، وهو علم دقيق، لا يخوض فيه إلا من لَطُف ذهنه، واستقام فهمه، ودق اجتهاده، وعلم المقاصد [علم أصل، راسخ الأساس، ثابت الأركان]، مستقر القواعد، مرن الفروع والجزئيات، وفَهْمُ مقاصد الشريعة على كمالها هو أول شرط في بلوغ درجة الاجتهاد.

ومقاصد الشريعة: هي أصولها الكبرى، وأسسها العظمى، وأركانها التي لا تبلى، وفروعها المتغيرة حسب الزمان والمكان؛ مراعاة لحالة الإنسان.

وفي سبيل التعرف على المقاصد لا بدَّ للباحث من إطالة التأمل، وجودة التثبت، ودفة النظر، ورحابة الفكر، وسعة الأفق، إذا أراد أن يكون وصوله إلى المقاصد صحيحاً، وفهمه سليماً، وليحذر من التساهل والتسرع في ذلك؛ لأن تعيين مقصد شرعي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط.

فأي خطأ فيه يؤدي إلى زلل كبير، وخطر عظيم؛ فلا ينبغي أن يُعيِّن المجتهد أو الفقيه مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء أحكام الشريعة في النوع الذي يريد معرفة المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه، وأعلام الاجتهاد، والمبرزين في الاستنباط؛ يستضيء بأفهامهم، ويستنير باستنباطاتهم، ويهتدي بما وصلوا إليه من مقاصد.

تعريف مقاصد الشريعة

كلمة مقاصد، جَمْعُ: مَقْصَد، ومن معاني قَصَدَ: الاعتماد والأَمّ ـ بفتح الهمزة مع تشديد الميم ـ، تقول: قصد الحجاجُ البيتَ الحرام، إذا أَمّوا تلك الجهة واعتمدوها، والمقصد: استقامة الطريق.

وكلمة الشريعة؛ في الاصطلاح: ما سنَّه الله من الأحكام، وأنزله على نبي من أنبيائه.

ويقصد بالشريعة في هذا البحث: الأحكام الشرعية التي سنّها الله عزَّ وجلَّ، وأنزلها على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد التعريف بالمقاصد والشريعة مفردات ينتقل ليعرِّف التركيب الإضافي: وهو: مقاصد الشريعة، ولعل أولى تعريف لعلم المقاصد أنه: علم يُعنَى بالغايات التي رعاها المشرع في التشريع.

تاريخ علم مقاصد الشريعة

كان مصطلح مقاصد الشريعة ظاهراً في بعض نصوص الكتاب والسنة، وفتاوى وعمل الفقهاء، دون تدوين ذلك في كتاب.

لكن لما انْقَلَبَتْ العلوم صناعة، وصُنِّفت الكتب، ودُوِّنت المصنفات؛ أُظهر علم مقاصد الشريعة؛ فرعاً مستقلاً ضمن علم أصول الفقه، هذا، ويمكن تمييز ثلاث مراحل لهذا العلم:

المرحلة الأولى : وهي مرحلة النشأة والتكوين:

وتتمثل هذه المرحلة بما قام به علماء الأصول من إظهار بعض مباحث ومسائل مقاصد الشريعة في تآليفهم وتصانيفهم، ومن أبرز أولئك: أبو بكر القَفَّال الشاشي (ت: 365 هـ)، في كتابه: محاسن الشريعة، وإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله أبو المعالي الجويني (ت: 478 هـ)، في كتابه: البرهان في أصول الفقه، والإمام أبو حامد الغَزَّالي (ت: 505 هـ) في كتابيه: المستصفى، وشفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل، ومسالك التعليل.

مزايا هذه المرحلة:

一- إظهار بعض مباحث علم المقاصد ومسائله.

二- عدم الإسهاب في مباحث علم المقاصد بياناً وتحقيقاً.

المرحلة الثانية : وهي مرحلة التَحَوُّل والتدوين:

وفيها إِظهارُ أصول مقاصد الشريعة، وقواعدَ كلية تتعلق بذلك، وتتمثل بما قام به سلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت: 660هـ)، في كتابه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، والقواعد الصُّغْرى.

مزايا هذه المرحلة:

一- إظهار أصول المقاصد إظهاراً بَيِّناً واضحاً.
二- المجيء بمباحث وقواعد في المقاصد لم تُذْكَر من قبل.
ولقد اعتنى الإمام القَرَافي أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي (ت: 684 هـ) بتحرير وتهذيب ما قرَّره شيخه العز بن عبد السلام، وذلك في منثور كتبه، وبخاصة كتب: الفروق، والنفائس، وشرح تنقيح الفصول.

المرحلة الثالثة : وهي مرحلة الاكتمال والنضج:

وتتمثل بما قام به الإمام الشاطبي (ت: 790 هـ)، في كتابه: الموافقات؛ حيث جمع مسائل هذا العلم، وأصَّل قواعده، وحَقَّق مباحثه، حتى قيل: هو مخترع علم المقاصد.

مزايا هذه المرحلة:

一- اكْتِمال علم المقاصد في جملة مسائله مع تأصيل.
二- إظهار مقاصد الشريعة كعلم مُسْتَقِل.
ولعل من الأسباب التي دفعت الإمام الشاطبي للعناية بالمقاصد أنه مالكي المذهب، ومعلوم أن من أصول المذهب المالكي: مراعاة المصالح، هذا بالإضافة إلى وجود المَلَكَة التامَّة للاستنباط والتعليل عند الإمام الشاطبي، والقوة في علم اللسان والعربية.

فوائد علم مقاصد الشريعة

لعلم مقاصد الشريعة فوائد جمة، يمكن إجمالها وجمعها في أربع فوائد كبرى:

أولها: إن العلم بها يشير إلى الكمال في التشريع والأحكام.

قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[القمر: 49]، وتندرج الأحكام الشرعية تحت خلق الله المقَدَّر بحكمة.

قال ابن القيم: [إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، وهي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا]، وقال: [إن كل ما خلقه وأمر به: فله فيه حكمة بالغة، وآيات باهرة؛ لأجلها خلقه وأمر به].

ثانيها : إن العلم بالمقاصد يفيد معرفة مراتب المصالح والمفاسد، ودرجات الأعمال في الشرع والواقع، وهذا مُهِمّ عند الموازنة بين الأحكام.

يقول ابن تيمية: [والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق (بين) أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين: لم يَعْرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يَعْرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح].

ثالثها : إن العلم بالمقاصد نافع في تَعْدية الأحكام، من الأصول إلى الفروع، ومن الكليات إلى الجزئيات، ومن القواعد إلى التفريعات،
يقول الغزَّالي: [الحكم الثابت من جهة الشرع نوعان:

أحدهما : نَصْب الأسباب عللاً للأحكام، كجعل الزنا مُوجباً للحد، وجعل الجماع ـ في نهار رمضان ـ موجباً للكفارة، وجعل السرقة موجبة للقطع، إلى غير ذلك من الأسباب التي عُقِل من الشرع نصبها عللاً للأحكام .

والنوع الثاني : إثبات الأحكام ابتداء من غير ربط بالسبب .

وكل واحد من النوعين قابل للتعليل والتَّعْدية، مهما ظهرتْ العلة المتعدِّية].

رابعها : إن العلم بالمقاصد يزيد النفس طُمَأنينة بالشريعة وأحكامِها، والنفسُ مَجْبولة على التسليم للحُكم الذي عرفتْ عِلَّته.

إثبات كوْن الشريعة مبنيةً على مقاصد

لقد قامت الأدلة القاطعة على كون الشريعة ذات مقاصد بُنيتْ عليها، ويمكن إثبات ذلك بطريقين: الخبر والنقل، والنظر والعقل، يقول الشاطبي: [وهذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعاً أحد مِمَن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، وإن اعتبارها مقصود للشارع،ودليل ذلك:

استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها].

أولاً: الخبر والنقل؛ وهو نوعان:

أولهما عام؛ مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار"، وفيه نفيُ الضرر والإضرار في أحكام الشرع، فدلّ على مقصد من مقاصد الشريعة في الأحكام.

والقاعدة الفقهية الكبرى المتفق عليها: (الأمور بمقاصدها)، وفيها إثبات الأحكام الدينية بناءً على النية والقصد والغاية.

والثاني خاص؛ يتعلق بمسائل ذُكِر لها مقاصد، ومنها: تحريم الخمرة؛ لإِفسادها للعقل؛ ومن أدلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ".

قال ابن القيم: [القرآن وسنة رسول الله  مملوءان من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة].

والثاني: النظر والعقل؛ وله وجهان:

الأولى: الاستقراء؛ قال السبكي: [دل الاستقراء على أن الله شرع الأحكام لمصالح العباد تفضلاً وإحساناً]، وقال ابن القيم:[الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد؛ في المعاش ـ الدنيا ـ والمعاد ـ الآخرة ـ، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة] .

الثانية: الدلالة العقلية، ومنها أن يقال: الشارعُ في تشريعه؛ إما أن يكون قد راعى مقاصد عند التشريع أَوْ لا. والثاني باطل؛ لأنه إما لعدم العلم السابق للتشريع، أو لعدم الحكمة عند التشريع، أو لمانع منع الشارع من مراعاة المقاصد، وكلها باطلة فاسدة بالإجماع؛ فتعيَّن الأول ـ وهو أن الشارع قد راعى المقاصد عند التشريع ـ ولا بد.

طرق معرفة المقاصد

ثَبَت أن ثَمَّة مقاصد للشريعة؛ لكن اختُلف في الطُّرق المُوصِلة إليها، والمُوْقِفة على مفرداتها، إلا أن جِمَاع ذلك طريقان:

الاستقراء، والأدلة الشرعية.
وفيما يأتي بيان موجز لكل منهما:


أولاً: الاستقراء

تعريف الاستقراء: وهو تَتَبُّع جُزئيات الشيء لإثبات حُكْم كُلّي، ويكون ذلك باستقصاء جميع جزئيات كلي أو أكثرها لتعرف حكم من أحكام.

أقسام الاستقراء؛ يُقَسَّم إلى قسمين:

- الأول : استقراء تام، وهو : تتبع جميع جزئيات الشيء لإثبات حكم كُلّي، وهذا حجة عند جماهير العلماء وأكثرهم، وإن كان يندر حدوث الاستقراء التام إلا ما كان في النصوص الشرعية المحددة (القرآن الكريم).

- والثاني : استقراء ناقص، وهو: تتبع جُمْلَةٍ من جزئيات الشيء لإثبات حكم كُلِّي، وهذا مختلف في حُجّيته، ولكنه من الناحية الأكاديمية العلمية البحثية هو المطلوب؛ لتعذر الاستقراء التام وإمكانية الاستقراء الناقص.

أنواع الاستقراء في علم المقاصد؛ للاستقراء نوعان:

- الأول : استقراء الأحكام التي عُرفتْ عِلَلها، لأنه في استقراء العلل الكثيرة المتماثلة يمكن أن نستخلص حكمة واحدة فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يقول علماء المنطق أنه يمكن تحصيل مفهوم كلي من خلال استقراء الجزئيات.

مثال ذلك: علة النهي عن المزابنة، قَالَ سَعْدٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.

فحصل لنا أن علة تحريم المزابنة هي الجهل بمقدار أحد العوضين، وهو الرطب منهما باليابس.

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ".

والعِلَّة في هذا النهي: هو ما في ذلك من الوحشة التي تنشأ عن السعي في حرمان الآخر من منفعة مبتغاة، فيُستخلص من ذلك مقصدٌ شرعي: هو دوام الأخوة بين المسلمين.

وكذلك علة نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ومن معاني الغرر: الجهالة، والجهالة قد تفضي إلى نزاع، والقاعدة الفقهية تقول: (كل جهالة تفضي إلى نزاع؛ مفسدةٌ للعقد)، ومقصد التشريع في المعاملات المالية: سلامة صدور المسلمين على بعضهم؛ خالية من الحقد أو الكراهية، ولذا تم بناء أحكام المعاملات المالية على البيان والوضوح، لا على التدليس والغش والغموض.

- والثاني : استقراءُ أدلةِ أحكام اشتركت في علةٍ. ومثاله: أحاديث النهي عن: (الاحتكار)، و(تَلقّي الركبان) ، و(بيع الطعام قبل قبضه) ، حيث تشترك في علة واحدة لمستقرئها.

فبهذا الاستقراء يحصل العلم بأن رواج الطعام، وتيسير تناوله وتداوه، وعدم ارتفاع سعره؛ بتقليل حلقات السلسلة بين المنتِج والمستهلك: مقصد من مقاصد الشريعة.

ثانياً: الأدلة الشرعية:

تعريف الأدلة، هي جمع دليل، وهو ما يمكن التّوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.

أقسام الأدلة: من حيث الاحتجاج بها كطريق لمعرفة المقاصد، تقسم إلى قسمين:

الأول : أدلة نصية متفق عليها، كـ(الكتاب) و(السنة).

ومن أمثلة الأدلة النصية من الكتاب قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}[البقرة: 275]، وقد شرعه الله لتحقيق مصالح العباد بالتبادل.

ومن أمثلة الأدلة النصية من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تناسلوا؛ فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ، وقد شرع النكاح لتحقيق مصلحة العباد في الاستقرار واستمرار النوع البشري.

والثاني : أدلة اجتهادية، كـ(الإجماع) و(القياس).

ومن أمثلة الإجماع: الاتفاق على أن تحريم الربا مُعلَّل، وإن اختلفت أقوال الفقهاء في بيان تحديد العلة.

فعند فقهاء الحنفية والحنابلة: علة تحريم الربا الكيل والوزن، وبمعنى أن كل ما يدخله القياس يجري في الربا، وإذا تمت مبادلته بجنسه وجب شرطان: التماثل والتقابض، وإذا تمت مبادلته بغير جنسه وجب شرط واحد، وهو: التقابض.

وعند فقهاء الشافعية: علة تحريم الربا الثمنية والمطعومية، فكل ما كان ثمناً أو طعاماً يجب عند مبادلته بجنسه شرطان: التماثل والتقابض، وعند مبادلته بغير جنسه وجب شرط واحد، وهو: التقابض.

وعند فقهاء المالكية: على تحريم الربا الثمنية والاقتيات والادخار، فكل ما كان ثمناً أو قوتاً يدَّخر يجب عند مبادلته بجنسه شرطان: التماثل والتناجز ـ التقابض ـ، وعند مبادلته بغير جنسه وجب شرط واحد، وهو: التناجز ـ التقابض ـ.

ومن أمثلة القياس: تحريم التدخين لعلة الضرر والإضرار المنهي عنه شرعاً، والعلة ـ دفع الضرر ـ متفق عليها، واندارج ضرر التدخين فيها متفق عليه في هذا الزمان بعد أن تحقق الضرر وثبت ثبوتاً قطعياً عن طريق العلم.

مراتب مقاصد الشريعة

المقاصد الشرعية تتفاوت مراتبها لتَبَايُن آثارها؛ لذا جعلها العلماء على مراتب، واستقر الاصطلاح على أنها مراتب ثلاث:

أُوْلاها : مرتبة الضَّرَوْرِيَّات. والكلام فيها كما يأتي:

تعريف الضروريات: قال المناوي:[الضروري ما اتصلت الحاجة إليه إلى حد الضرورة] .

ومعنى الضرورية: [أنها لا بدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقِدت لم تُجْرَ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة: فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين].

ولأهمية الضروريات جُعلت كالأصل، وما سواها من الحاجي أو التحسيني إنما هو بمنـزلة المكمِّل والخادم، والمكمِّلات دائرة حول حمى الضروري، ومقوية لجانبه].

فقد عُلِم على القطع أن حفظ النفس والعقل والبُضع ـ كناية عن النسل أو العِرض ـ والمال مقصود في الشرع.

فجُعِل القتل سبباً لإيجاب القصاص؛ حفظاً للنفوس والأرواح المقصود بقاؤه في الشرع.

وحَرَّم الشرع شرب الخمر؛ لأنه يزيل العقل، وبقاء العقل سليماً معافى مقصود الشرع؛ كونه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخِطاب والتكليف.

والبُضع مقصود حفظه؛ لأن في التزاحم عليه اختلاطَ الأنساب، وتلطيخ الفراش.

والأموال مقصودة بالحفظ على مُلاَّكها؛ وقد عُرِف ذلك بالمنع من التعدي على حق الغير، وإيجاب الضمان، ومعاقبة السارق بالقطع.

وقد حُصِرَتْ تلك الضروريات عند عامة العلماء في خمس أو ست، وهي : الدين، والنفس، والنسب أو النسل، والعقل، والمال، والعِرْض.

وللمحافظة على هذه الضروريات أقام الشرع حدوداً من العقوبات:

فحَدُّ الردة في مقابل حفظ الدين.

وحَدُّ القتل قصاصاً في مقابل حفظ النفس.



وحَدُّ الزنى في مقابل حفظ النسب أو النسل.

وحَدُّ شرب الخمر في مقابل حفظ العقل.

وحَدُّ السرقة في مقابل حفظ المال.

وحَدُّ القذف في مقابل حفظ العِرْض.

دليل الضروريات: ويَرْجع إلى الاستقراء التام لأدلة الشريعة المُتَّفَق عليها مع اتفاق العقول الصحيحة على ذلك.

يقول الغَزَّالي: [وتحريم تَفْوِيْت هذه الأصول الخمسة يَسْتحيل أن لا تشتمل عليه مِلَّة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق؛ ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر].

ويقول الآمدي: [مقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل ولا شريعة من الشرائع وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال] .

وقد اتَّفَقَتْ الأمة على أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، بل إن سائر الملل قد اتفقت على ذلك.

وفي حديثه عن الضروريات يقول الشاطبي: [ إنها مراعاة في كل ملة] .

وسأطلق على هذه الضروريات الخمس أو الست: أهداف المجتمع الإسلامي، وبالتالي فإني أدعو إلى تعميم ونشر هذه الأهداف في كل المجتمعات؛ بعيداً عن الأهداف البشرية التي تطلق هنا أو هناك، وبتحقيق هذه الأهداف وإقامة حدودها للمحافظة عليها: يتحقق بناء الإنسان والمجتمع فكرياً.

يقول ابن عاشور: [إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقراة أن المقصد العام من التشريع فيها هو: حفظ نظام الأمة، واستدامةُ صلاحه ـ هذا النظام يكون ـ بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحُه صلاحَ عقله، وصلاحَ عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه] .

بيان الضروريات الخمس أو الست:

1 - الدين؛ في الاصطلاح: وَضْع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم ـ المحمود ـ إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل.

والمقصود بـ(الدين) هنا : الدين الإسلامي الْمُنـزل على خاتم الرسل محمد ، قال تعالى:إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ[آل عمران: 19].

2 - والنفس؛ يُقصد بها: النفس المعصومة من القتل والمحمية من الإزهاق، وهي ثلاثة أنفس: نفس معصومة بالإسلام وتكون للمسليمن، ونفس معصومة بالجزية وتكون لأهل الكتاب المقيمين مع المسلمين في بلد واحد، ونفس معصومة بالأمان وتكون للحربي الذي يطلب من المسلمين الدخول إلى أرضهم لأغراض مدنية.

3 - والعقل؛ هو: الحابس عن ذميم القول والفعل.

إن العلوم المكتسَبة تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره، ومن ثَمَّ يأتي دور العمل بالعلم، وهنا يتدخل العقل؛ للتوجيه السليم، وعندها يسمى العقل الممدوح.

4 - والنسب أو النسل؛ النسل في اللغة: الولد، يقال: نَسَل نَسْلاً: إذا كَثُر نَسْلُه، أي: ولده وذُرِّيته.

5 - والمال؛ اصطلاحاً هو: اسم لكل ما يمكن إحرازه والتصرّف فيه على وجه الاختيار، ومن ذلك : الأثمان، والبضائع، والعقارات، والحيوانات.

6 - والعِرْض؛ ويأتي على أكثر من معنى، منها: الجَسَد، وجانب الرجل الذي يَصُونه من نفسه ولا يُقبل أن يُنْتَقَص ويُثْلَب.

ترتيب الضروريات: في ترتيبها اتفق الفقهاء على أمرين:

أولهما : تقديم الدِّيْن على باقي الضروريات ومنها: النفس، وإن قال بعض العلماء بتقديم النفس على الدين، وأجازوا لِمَن أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أن ينطق بلسانه بما يخلِّصه من القتل، حتى إذا زال الإكراه عنه أعلن ما في قلبه من الإيمان.

والثاني : تقديم النفس على باقي الضروريات سوى الدِّيْن.

واختلف الفقهاء في شيئين:

أولهما: النسل والعقل أيهما يُقَدَّم، فالآمدي في كتابه (الإحكام) جَزَم بتقديم النسل على العقل، وذهب ابن السبكي في (الإبهاج) إلى تقديم العقل على النسب.

والثاني: العرض والمال أيهما يُقَدَّم، فمَن ألحق العرض بالنسب والنسل قَدَّمه على المال، ومَن جعله منفصلاً مستقلاً قَدَّم المال عليه.

وثانيها : مرتبة الحَاجِيَّات. والكلام فيها كما يأتي:

تعريف الحاجيات: يقول إمام الحرمين: [هي ما يَتَعَلَّق بالحاجة العامة ولا يَنْتَهي إلى حدّ الضرورة، وهذا مثل تصحيح الإجارة، فإنها مَبْنِيّة على مَسِيْس الحاجة إلى المساكن مع القصور ـ أي العجز حقيقة أو حكماً ـ عن تَمَلُّكها وضّنة مُلاّكها بها ـ فالمالك يَضِّن في إعطاء الأشياء ـ على سبيل العاريّة، فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مَبْلَغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره].

وقال الشاطبي: [الحَاجِيّ : هو ما يُفْتقر إليه من حيث التَّوْسِعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلَّفين ـ على الجملة ـ الحَرَجُ والمشقةُ؛ ولكنه لا يبلغ مَبْلغ الفساد العادي المُتَوَقَّع في المصالح العامة] .

ومن أمثلتها: الرُّخَصُ المخفِّفَة؛ كالفطر زمن وجوب الصيام بسبب المرض أو السفر، ومثل: إباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال.

الحكمة من الحاجيات: تَرْجع إلى شيئين:

أولهما: رَفْع الحرج والمشقة عن المكلفين، إذ دَوَرَان الحاجيّات على: التَّوْسِعة والتيسير، والرفق ورَفْع الضيق والحرج .

والثاني: تكميل الضروريات وحِمايتها، يقول الشاطبي: [الأمور الحاجيّة : إنما هي حائمة حول هذه الحمى، إذ هي تتردد على الضروريات تُكَمِّلها، بحيث ترتفع في القيام بها واكتسابها: المَشَقّات، وتميل بهم فيها إلى التوسط والاعتدال في الأمور، حتى تكون جارية على وجه لا يميل إلى إفراط وتفريط] ، ثم قال: [فإذا فهم هذا لم يَرْتَب – من الرَّيْب والشك– العاقل في أن هذه الأمور الحاجية: فروعٌ دائرةٌ حول الأمور الضرورية] ، وقال أيضاً: [الحاجيّ مكمِّل للضروري] ، وقال أيضاً: [الحاجيّ يَخْدم الضروري] .

وثالثها : مرتبة التَّحْسِيْنِيَّات. والكلام فيها كما يأتي:

تعريف التحسينيات: يقول الغزالي: التحسيني هو [ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا تُرهق إليه ضرورة، ولا تَمَس إليه حاجة، ولكن تُستفاد به رفاهيةٌ وسعةٌ وسهولةٌ] .

ويقول الشاطبي: [هي: الأخذ بما يليق من مَحَاسن العادات، وتَجَنُّب الأحوال المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويَجْمع ذلك: قسم مكارم الأخلاق]. وذَكَرَ أمثلة على ذلك، مثل: أخذ الزينة ، والتقرب إلى الله بنوافل الخيرات، ومثل آداب الأكل والشرب في (العادات)، ومنع بيع النجاسات في (المعاملات).

ثم قال: [وقليل الأمثلة يَدُلّ على ما سواها مما هو في معناها، فهذه الأمور راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجيّة؛ إذ ليس فقدانها بمُخِلّ بأمر ضروري ولا حاجيّ، وإنما جَرَتْ مجرى التَّحسين والتَّزيين].

الحكمة من التحسينيات: وترجع إلى شيئين:

أولهما: تكميل الضروريات والحاجيّات وحمايتها، يقول الشاطبي: [التحسيني يخدم الحاجي] ، ويقول: [التحسينيات تكمل ما هو حاجي] ، ويقول: [كل واحدة من هذه المراتب: لما كانت مختلفة في تأكُّد الاعتبار – فالضروريات آكدها ثم تَلِيْها الحاجيات والتحسينيات – وكان مرتبطاً بعضها ببعض، كان في إبطال الأخفّ جُرْأة على ما هو آكد منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حِمىً للآكد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه] . وقال أيضاً: [إن كل حاجيّ وتَحْسيني إنما هو خادم للأصل الضروري ومُؤْنس به، ومُحَسِّن لصورته الخاصة: إما مُقدِّمةً له، أو مقارناً، أو تابعاً، وعلى كلّ تقدير فهو يدور بالخدمة حَوَالَيْه، فهو أحرى أن يتأدّى به الضروري على أحسن حالاته] .

والثاني: كمال الأمة في نظامها لتعيش أمة آمنة مطمئنة، وتكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرّب منها.

أقسام مقاصد الشريعة

تَتَوَزَّع المقاصد الشرعية إلى قسمين:

أحدهما: المقاصد المطلقة العامة، وهي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو مُعظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بباب دون باب، ولا بمحل دون محل، ولا بمحل وفاق دون محل خلاف، ولا في نوع خاص من أحكام الشريعة دون توع آخر.

ومَرَدّ ذلك إلى قاعدة الشرع الكُلّيّة المُعَبَّر عنها بـ(دَرْء المفاسد وجَلْب المصالح )، يقول الشاطبي: [ومعلوم أن الشريعة وُضِعت لمصالح الخلق … فكل ما شُرِع: لِجَلب مصلحة أو دفع مفسدة]، ويقول الغزالي: [فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة] .

والثاني: المقاصد الخاصة، واختلف أهل العلم في قِسْمتها؛ لاختلاف الجهات والحيثيات.

- فمن حيث مرتبتها في القصد، قَسَّمها الشاطبي إلى قسمين:

أولهما: المقاصد الأصليّة، وهي: [التي لا حَظّ فيها للمُكَلَّف، وهي الضروريات المُعْتبرة في كل مِلّة]، ويتابع في الشرح فيقول: [وإنما قلنا (لا حظ فيها للعبد) من حيث هي ضرورية؛ لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة لا تختص بحال دون حال، ولا بصورة دون صورة، ولا بوقت دون وقت].

وقد تكون: [ضرورية عينية، وإلى ضرورية كفائية، فأما كونها: عينيّة فعلى كل مكلَّف في نفسه، فهو مأمور بحفظ دينه اعتقاداً وعملاً، وبحفظ نفسه قياماً بضرورية حياته، وبحفظ عقله حفظاً لمورد الخطاب من ربه إليه، وبحفظ نسله التفاتاً إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار … وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة …وأما كونها: كفائية فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين؛ لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها، إلا أن هذا القسم مكمل للأول، فهو لاحق به في كونه ضرورياً؛ إذ لا يقوم العيني إلا بالكفائي.

والثاني: المقاصد التابعة، وهي: [التي روعي فيها حظ المكلف، فمن جهتها يَحْصل له مقتضى ما جُبِل عليه؛ من نيل الشهوات، والاستمتاع بالمباحات، وسَدّ الخَلاّت] ، وهذا القسم مُكمِّل لما قبله، يقول الشاطبي: [المقاصد التابعة : خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها، ولو شاء الله لكلَّف بها مع الإعراض عن الحظوظ، أو لكلف بها مع سلب الدواعي المجبول عليها؛ لكنه امْتَنَّ على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة الدنيا للآخرة، وجعل الاكتساب لهذه الحظوظ مباحاً لا ممنوعاً، لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة، وأجرى على الدوام مما يَعُدّه العبد مصلحة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة: 216، و232، وآل عمران: 66، والنور: 19)،… فبهذا اللَّحْظ قيل: إن هذه المقاصد توابع، وإن تلك هي الأصول، فالقسم الأول: يَقْتضيه محض العبودية، والثاني : يقتضيه لطف المالك بالعبيد] .

- ومن حيث كونها اعتبارية أو حقيقية، فقد قَسّمها ابن عاشور إلى نوعين:

أولهما: معان حقيقية، وعرَّفها بقوله: [هي التي لها تَحَقُّقٌ في نفسها بحيث تُدْرِك العقول السَّلِيْمة ملائمتها للمصلحة أو منافرتها لها أي تكون حاوية نفعاً عاماً أو ضرراً عاماً؛ إدراكاً مستقلاً عن التوقف على معرفةِ عادةٍ أو قانونٍ، كإدراك كَوْن العدل نافعاً، وكون الاعتداء على النفوس ضاراً، وكون الأخذ على يدِ الظالم نافعاً لصلاح المجتمع] .

والثاني: معان عرفية عامة، قال ابن عاشور عنها: [هي المُجَرَّبات التي أَلِفَتْها نفوس الجماهير، واستحسنها استحساناً ناشئاً عن تجربة ملائمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كَوْن الإحسان معنىً ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كَوْن عقوبة الجاني رادعة إياه عن العَوْد إلى مثل جنايته، ورادعة غيره عن الإجرام، وكَوْن ضد ذَيْنك يؤَثّر ضد أَثَرَيْهما] .

- ومن حيث كونها هدفها، فقد قَسّمها الغزالي إلى قسمين:

دينية ودنيوية، وكل واحد من القسمين ينقسم إلى:

- تحصيلٍ، أي (جلب المنفعة).

- وإبقاءٍ، أي (دفع المضرة).

خصائص مقاصد الشريعة

للمقاصد الشرعية خصائص عديدة، تُلْحظ باستقراء الأحكام وعللها؛ لأن الشِّرْعة المحمدية قائمة على حفظ المقاصد ورعايتها.

يقول الشاطبي: [الشريعة المباركة المحمدية منـزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد، التي بها يكون صلاح الدارين، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات وما هو مكمل ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة].

ومن ثَمّ فإن خصائص أصول الشريعة تَنْسحب على المقاصد الشرعية، وقد حَصَرَها الشاطبي في خواص ثلاث، وهي:

الأولى: العموم والاطراد، فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق، بحيث تَشْمل جميع أنواع التكليف والمكلَّفين والأحوال، وتَطّرد دون تَخَلُّف.

ويقول ابن عاشور: المراد بالاطراد [ألا يكون المعنى مختلفاً باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار] .

الثانية: الثبوت من غير زوال، يقول الشاطبي: [فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها: لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجب أبداً، أو مندوباً فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها ولا تبدل] .

ويقول ابن عاشور: المراد بالثبات [أن تكون تلك المعاني مجزوماً بتحققها، أو مظنوناً قريباً من الجزم] .

ودليلُ الثبوت: الاستقراءُ التام، يقول الشاطبي: [ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء، بل إنما أتى بالمدينة ما يُقوّيها ويُحْكِمها ويُحَصِّنها، وإذا كان كذلك: لم يَثْبت نسخ لكلي البتّة، ومن استقرى كُتب الناسخ والمنسوخ تحقّق هذا المعنى، فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها، والجزئيات المكية قليلة].

الثالثة: كونها حاكمة غير محكوم عليها؛ لأنها كالروح للأعمال، يقول الشاطبي: [فإن المقاصد أرواح الأعمال؛ فقد صار العمل ذا روح على الجملة] .

ولما كانت حاكمة للإنسان جاءت:

- مراعية لفطرته، يقول ابن عاشور: [ونحن إذا أجدنا ـ بالدال، مأخوذ من الجودة والإتقان ـ النظر في المقصد العام من التشريع …نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة، والحذر من خرقها واختلالها] .

- حاملة على التوسُّط والاعتدال، من غير إفراط ولا تفريط، ومسلك الاعتدال واضح في الشريعة، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقِل الذي يُلجأ إليه، وقد سمى ابن عاشور هذه الخاصية بـ(السماحة)،وهي سهولة المعاملة في اعتدال حيث التوسط بين التضييق والتساهل.

هذه جولة في بيان مقاصد الشريعة من حيث تعريفها، وتاريخها، وفوائدها، ودليلها، وطرق معرفتها، ومراتبها، وأقسامها، وخصائصها؛ عسى أن تكون نبراساً للسائرين في درب الفقه والاجتهاد.
Cant See Links
رد مع اقتباس
(#2)
قديم
أفاق : الاداره
مراقب
مراقب
 
رد: علم مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورته المعاصرة - 01-14-2012, 04:50 AM


الدواعي التاريخية لنشأة مقاصد الشريعة

هشام منور

يستدعي الحديث عن «مقاصد الشريعة» أو «علم المقاصد»، حسب تعبير بعض العلماء، في الكتابات الأصولية الحديث ـ لدى معظم الباحثين ـ عن الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، وكتابه القيّم (الموافقات في أصول الشريعة)، إلى الحد الذي يذهب فيه كثير من الدارسين لهذا الكتاب إلى اعتبار (الشاطبي) نفسه مبتدع علم المقاصد، كما ابتدع سيبويه علم النحو، وابتدع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض، بل إن الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، نفسه كان يرى أنه هو من ابتكر هذا العلم.

ونجد معظم الدارسين لمبحث «المقاصد» اليوم يفتتحون الحديث عن «المقاصد» بذكر مبحث تمهيدي عن «تاريخية نشوء الكتابة في مقاصد الشريعة»، بيد أن المتتبع لهذه الكتابات غالباً ما يلحظ اختلافاً في الأسلوب والمنهج الذي يعتمده باحثوه في التأريخ لنشوء هذا الجانب الهام من علم أصول الفقه، فالبعض يرجع جذور الكتابة في (مقاصد الشريعة) إلى عهد التابعين وينسبه صراحة إلى بعضهم، وآخرون يرون في الكتب التي ألفت في بيان حكم وأسرار الشريعة مبدأ ومنطلقاً لذلك. ويعمد بعد ذلك بعض الباحثين إلى استقراء ما كتب علماء الأصول في هذا المبحث عبر التاريخ في محاولة لتلمس بذور تلك الكتابات في محاولة لا تخلو من إسقاط واستنطاق للنصوص والمؤلفين، قد تكون فجة في بعض الأحيان.

ولكن ذلك لم يمنع أن تتفق معظم الكتابات المعاصرة على إيراد سلسلة معينة من الأعلام كان لها الدور الأكبر في تبيين ملامح هذا المبحث واستجلائه إلى أرض الواقع، ويذكرون منهم: الإمام الجويني في كتابه (البرهان في أصول الفقه) وكتابه الذي اختصر فيه كتاب شيخه (الباقلاني) رحمه الله تعالى: (التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد)، واسم كتاب الجويني (التلخيص).

يروم معظم الباحثين المعاصرين التأكيد على اعتبار الإمام الجويني المؤسس الحقيقي لهذا العلم، وأول من نص صراحة في تقسيمه للعلل والمقاصد الشرعية على مراتب
مقاصد الشريعة الثلاث: «الضروريات والحاجيات والتحسينيات».

ويروم معظم الباحثين المعاصرين التأكيد على اعتبار الإمام الجويني المؤسس الحقيقي لهذا العلم، وأول من نص صراحة في تقسيمه للعلل والمقاصد الشرعية على مراتب مقاصد الشريعة الثلاث: «الضروريات والحاجيات والتحسينيات».

ويأتي بعده في الذكر تلميذه الإمام الغزالي، رحمه الله تعالى، الذي يعدّ امتداداً لشيخه (الجويني) في هذا السياق، وذلك في كتبه (المنخول من تعليقات الأصول)، و(شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل) و(المستصفى من علم الأصول)، وقد نص صراحة على الكليات الخمس التي أصر على اتفاق جميع الشرائع على مراعاتها واعتبارها.

ويذكر بعد ذلك في سلسلة أعلام مقاصد الشريعة كل من الإمام الرازي، رحمه الله تعالى، في كتابه (المحصول) الذي اختصر ولخص فيه كتب (المعتمد) لأبي الحسين البصري. و(البرهان) للجويني، و(المستصفى) للغزالي. كما يذكر كتاب معاصره وقرنه الآمدي (الإحكام في أصول الأحكام) الذي هو تلخيص آخر للكتب ذاتها.

وبالطبع تسير القافلة بعد ذلك عند معظم الأصوليين الذين تلوا أولئك الأعلام، ليذكر بعد ذلك من أعلام الأصوليين الفقهاء الإمام العز بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام)، وتلميذه القرافي في كتابه (الفروق)، والطوفي في (رسالته) و(شرح مختصر الروضة)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى)، وتلميذه ابن قيم الجوزية في كتبه (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، و(مفتاح دار السعادة)، و(شفاء الغليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وغيرها.

إلا أنه نادراً ما يذكر شيخ الشاطبي (المقري) وكتابه (القواعد)، على الرغم من كونه صلة الوصل بين كل من ابن تيمية وابن القيم من طريق، والعز بن عبد السلام والقرافي من طريق آخر، وبين الشاطبي، فالمقري تلميذ لكل من القرافي وابن قيم الجوزية، ليأتي بعد ذلك الإمام الشاطبي، ليحتل موقعه كواسطة لهذا العقد الفريد.

ولكن ما الذي دعا أولئك العلماء الأجلاء إلى الخوض في تفتيق النظر في هذا المبحث؟ وما هي مسوغاتهم العلمية والموضوعية لخوض غمار ذلك؟ ألم يكن علم الأصول في صورته ومباحثه التقليدية المعروفة في غنى بما كان يحويه من مباحث وفصول عن البحث في تجلية مقاصد عامة للشريعة تكون كشافاً موجهاً جديداً للعلماء في اجتهاداتهم واستنباطاتهم المتجددة بتجدد الحوادث والوقائع؟

لقد كانت هذه التساؤلات (تساؤلات المشروعية) حاضرة وبقوة لدى عميد الباحثين في المقاصد الإمام الشاطبي، ولذا وجدناه يعقد ثلاثاً من مقدماته الافتتاحية لكتاب (الموافقات) في بيان الإجابة عنها، والتي يمكن تلخيصها في محاولة تأسيس أصول الفقه، بوصفه العلم المناط به مهمة مواجهة النوازل والمستجدات، وتأصيله على أدلة ضرورية قطعية أو قريبة منها ترتفع بقواعد هذا العلم وأدلته ومصادره إلى مستوى القطع، على اعتبار أن مسائل وقواعد هذا العلم «راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي»(1).

والإمام الجويني، ودون أن يتنبه إلى ذلك كثير من الباحثين، كان قد سبقه إلى ذلك من خلال بيان مدى احتياج الشريعة والأمة على حد سواء إلى بلورة قواعد وأصول ومبادئ عامة تؤسس وتنبني عليها جميع الفروع والتفاصيل الجزئية من خلال ردها إلى تلك القواعد والمبادئ والأصول الكلية والعامة.

فالإمام الجويني في كتابه (غياث الأمم في التياثِ الظُلَم)، يعقد القسم الثاني من الكتاب لبيان تلك القواعد والأصول والمبادئ الكلية التي حاول، وفي أسلوب مازج فيه بين النظرية والتطبيق، من خلالها أن يجيب عن السؤال المحوري والجوهري الذي عقد له مباحث كتابه وهو: ما هو الحل؟، وكيف ستواجه الأمة واقع زوال واختفاء الإمامة والشريعة من حياة الناس؟ أي: حال خلو الأمة من وجود الإمام أو السلطان أو الخليفة، وحالها أيضاً عند اختفاء الشريعة وأحكامها التفصيلية باختفاء علماء الأمة واندثار أثرهم؟.

وبدهي أن المستطلع للظروف التاريخية التي اكتنفت تأليف الكتاب، وهي ظروف الحملات الصليبية المتوالية من الغرب، وتوجس العلماء في ذلك الوقت على وجود الأمة والخوف من اندثار معالمهما الدينية، بزوال أحكام الشريعة، والسياسية، بالقضاء على رأس الهرم السياسي فيها (الخليفة)، إن تلك الظروف كانت وراء التماع فكرة الكتاب في رأس الإمام الجويني.

ولما كان الخوف من ضياع واندثار أحكام الشريعة في الأمة لا يتصور حصوله بشكل فجائي ولحظي، فقد عقد (الجويني) القسم الثاني من الكتاب «في خلو الزمان عن المجتهدين ونقلة المذاهب وأصول الشريعة»( 2) على مراتب أربع، ناقش في كل منها موقف الأمة من «اشتمال الزمان على المفتين والمجتهدين»، وانتقل بعد ذلك لمناقشة حال خلو الزمان عن المجتهدين وبقاء نقلة المذاهب، وقرر وجوب اتباعهم، ثم انتقل بعد ذلك إلى مناقشة حال «خلو الزمان عن المفتين ونقلة المذاهب»، ولكنه يعتقد أن الدهر «لا يخلو عن المراسم الكلية، ولا تعرى الصدور عن حفظ القواعد الشرعية وإنما تعتاص التفاصيل والتقاسم والتفريع»(3)، ولهذا فإنه «لا يخفى على من شدا طرفاً من التحقيق أن مآخذ الشريعة مضبوطة محصورة، وقواعدها معدودة محدودة، فإن مرجعها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآي المشتملة على الأحكام وبيان الحلال والحرام معلومة، والأخبار المتعلقة بالتكاليف وفي الشريعة متناهية»(4 ).

ثم شرع بعد ذلك في بيان «المقصود الكلي من هذه المرتبة، [وهي] أن نذكر في كل أصل من أصول الشريعة قاعدة تنزل منزلة القطب من الرحى والأس من المبنى. ونوضح أنها منشأ التفاريع، وإليه انصراف الجميع»(5 ). وقد استطرد بعد ذلك ليعلن إمكانية اندثار وضياع حتى هذه الأصول والقواعد التي تأسست عليها أحكام الشريعة في المرتبة الرابعة، وليقرر وجوب الاكتفاء عندئذ بكليات الدين وأصوله من الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاعتقاد بنبوة النبي المنبعث وتوطين النفس على التوصل إليه في مستقبل الزمان، وبذلك تنقطع التكاليف الشرعية، حسب رأيه، عن العباد وتلتحق أحوالهم بأحوال من لم تبلغهم دعوة، ولم تنط بهم شريعة.

تلك كانت الظروف التاريخية التي رافقت نشأة وتبلور مفهوم مقاصد الشريعة، وهي ظروف لا يخفى أثر الطابع السياسي والاجتماعي المكتنف لها في كون ظهور مفهوم المقاصد بعد ذلك قد أصبح بمثابة الاستجابة الطبيعية لها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو في ظل الأزمات والمآزق التي تعصف بالأمة منذ عقود، لماذا لم تظهر إلى الآن استجابة واثقة وواضحة لها، على الرغم من حلاكة المشهد العام وقتامة مستقبله، وفي ظل تحول الحفاظ على وحدة الأرض واستقلالها من مطلب ضروري إلى مجرد وسيلة لتحقيق النهوض والرقي ومباشرة الدورة الحضارية لأمتنا؟؟.
هوامش
( 1) الموافقات، الشاطبي: 1/19.
( 2) غياث الأمم في التياث الظلم، إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، تح: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ ـ 1997م: ص177 وما بعدها.
( 3) م.ن: ص192.
( 4) م.ن: ص192.
( 5) م.ن: ص194.
( 6) غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني: ص240 ـ 241.

Cant See Links
رد مع اقتباس
(#3)
قديم
أفاق : الاداره
مراقب
مراقب
 
رد: علم مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورته المعاصرة - 01-14-2012, 05:00 AM

الفصل الثاني

التحقيق في حصول المقاصد الشرعية

المبحث الأول: المقاصد.. تعريفها ومراتبها

أولاً: دلالة مفهوم المقاصد لغة واصطلاحاً:

تعريف المقاصد لغة:

تعود كلمة «مقصد» إلى أصل (ق ص د)، ومواقعها في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنهوض نحو الشيء، على اعتدال كان أو جور. هذا أصله في الحقيقة وإن كان يُخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل([1]).

فقَصَدْت الشيء له وإليه قَصْدًا من باب (ضرب) طلبته بعينه وإليه قَصْدي ومَقْصِدي بفتح الصاد، واسم المكان بكسرها نحو مقصد معين، وبعض العلماء جمع القَصْد على قُصُود وهو جمع واقـع على السماع. وأما (المَقْصَد) فيجمع على مَقَاصِد، وقَصَدَ في الأمر قَصْدًا توسط وطلب الأسدّ ولم يجاوز الحد. وهو على قَصْدٍ أي رشد، وطريق قَصْدٌ أي أسهل، وقَصَدْت قَصْدَه أي نحوه.([2])

وقد ذهب د. طه عبد الرحمن إلى أن الفعل «قصد» مشترك بين ثلاثة معان، ينتج بناء عليها ثلاثة اشتقاقات ذات دلالات مختلفة يؤسس كل واحد منها لنظرية من النظريات الأصولية حسب التفصيل الآتي:

1- «قصد» بمعنى هو ضد الفعل (لغا يلغو). لما كان اللغو هو الخلو عن الفائدة أو الدلالة، فالمقصد حصول الفائدة أو عقد الدلالة. واختص المقصد بهذا المعنى باسم «المقصود» فيقال: المقصود بالكلام، ويراد به مدلول الكلام، وجمعه المقصودات وهي المضامين الدلالية.

2- «قصد» بمعنى هو ضد الفعل (سها يسهو). لما كان السهو هو فقد التوجه أو الوقوع في النسيان، فإن القصد يكون على خلاف ذلك هو حصول التوجه والخروج من النسيان، واختص المقصد بهذا المعنى باسم «القصد» وهو المضمون الشعوري أو الإرادي.

3- «قصد» بمعنى هو ضد الفعل (لها يلهو). لما كان اللهو هو الخلو عن الغرض الصحيح وفقد الباعث المشروع، فإن القصد يكون على العكس من ذلك هو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع، واختص المقصد بهذا المعنى باسم «الحكمة»، ومعناه هنا المضمون القيمي، وأطلق عليه «المقاصد».

وتحصل من هذا ثلاثة معان تمثل ثلاث نظريات مكونة لعلم المقاصد وهي:

- نظرية «المقصودات» الباحثة في المضامين الدلالية للخطاب الشرعي.

- نظرية «القصود» الباحثة في المضامين الشعورية والإرادية.

- نظرية «المقاصد» والتي تبحث في المضامين القيمية للخطاب الشرعي.([3])

تعريف المقاصد اصطلاحاً:

لقد حُرِم هذا المصطلح عند قدماء الأصوليين من إعطاء حد له حتى من الشاطبي نفسه، وفي تقديري إن عدم تعريف متقدمي الأصوليين لمصطلح المقاصد يعود إلى عدم تبلور علم المقاصد كمبحث مستقل في أصول الفقه في زمنهم؛ حيث كان مبثوثاً في ثنايا مباحث المناسبة والمصلحة والاستحسان وسد الذرائع، أما الشاطبي، فرغم كونه صاحب النقلة النوعية لعلم المقاصد بما قعدّ له وفصّل فيه وجعله مبحثاً مستقلاً من مباحث أصول الفقه لا يقل عن المباحث الأخرى إن لم يفقها، إلا أنّ الرجل لم يكن معنياً بالحدود والرسوم، بل كان يرنو إلى مشروع تجديدي لأصول الفقه موجّه للعلماء حيث يقول عن كتابه: «ألاّ ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريّان في علوم الشريعـة، أصـولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب»([4])، أما المعاصرون فقد اهتموا بإعطاء تعريف للمقاصد بعد أن أخذت حيزها المطلوب من علم أصول الفقه، واتضحت معالم النظرية وأبعادها.

- دلالة المقاصد عند الشاطبي:

كما سبقت الإشارة فإن الشاطبي لم يعمد إلى وضع حد أو رسم للمقاصد بل بدأ مباشرة ببيان المقاصد من خلال بيان أقسامها، فقسمها إلى قسمين: قصد الشارع؛ وقصد المكلف.

القسم الأول.. قصد الشارع: وقسمه إلى أربعة أنواع هي:

- قصد الشارع إلى وضع الشريعة ابتداءً «أي بالقصد الذي يعتبر في المرتبة الأولى، ويكون ما عداه كالتفصيل له، وهذا القصد الأول»([5]) وهو الذي قال فيه الشاطبي: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لاتعدو أن تكون ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية»([6])، وهذه المقاصد تجمعها قاعدة «درء المفاسد وجلب المصالح».

- قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام.

- قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها.

- قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.

القسم الثاني: قصد المكلف: وخصصه لمقاصد المكلف في التكليف، مؤكداً أن العمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها.

وهذه التقسيمات تجمع مدلول المقاصد عند الشاطبي، الذي يمتد ليشمل المقاصد المصلحية والدلالية للخطاب الشرعي والمرتبطة في تحققها واقعاً بامتثال المكلف.

تعريف المقاصد عند محمد الطاهر بن عاشور:

أما محمد الطاهر بن عاشور فقد عمد بداية إلى تقسيم المقاصد بحسب العموم والخصوص، ثم أعطى لكل قسم تعريفه:

1- مقاصد التشريع العامة: «وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها»([7]).. وذكر من بين هذه المقاصد العامة: حفظ النظام، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب.

2- مقاصد الشريعة الخاصة: «وهي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقد الرهن، وإقامة نظام المنـزل والعائلة في عقدة النكاح».([8])

ويجمع هذين القسمين المقصد العام للتشريع وهو: «حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان».([9])

تعريف علاّل الفاسي:

أما علال الفاسي فقد عرفها بقوله: «المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها»([10]) قاصداً بالغاية منها مقاصدها العامة، وبالأسرار المقاصد الخاصة لكل حكم من أحكامها الجزئية.

تعريف الريسوني:

وعرفها الريسوني - جمعاً بين تعريفي ابن عاشور وعلال الفاسي- بأنها: «الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد».([11])

تعريف إسماعيل الحسني:

أما إسماعيل الحسني فقد اقترح تعريفاً آخر فقال: «إنها الغايات المصلحية المقصودة من الأحكام والمعاني المقصودة من الخطاب».([12])

بَيْدَ أنّ الملاحظ على الشطر الثاني من التعريف «المعاني المقصودة من الخطاب» أنه إن كان المراد به الحِكم المقصودة للشارع فهي داخلة بدلالة التضمن في الشطر الأول، أما إن كان مراده بها دلالات الخطاب فهذا لا يعد مقصداً بالمعنى الاصطلاحي، بل هو مسلك للكشف عن مقاصد الخطاب.

التعريف المقترح:

ويمكن تعريف المقاصد بأنها: «القيم المصلحية المغياة من الأحكام الشرعية، والمرتبطة في تحققها واقعاً بالقصد الإرادي من المكلف».

ويمكن تفصيل هذا التعريف كما يلي:

1- المقصد القيمي من التشريع: وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا فصّله أئمة الأصول عند تطرقهم للمعاني والحكم التي من أجلها نزّل الشرع، ويستفاد هذا من غالب التعريفات السابقة، كما أشار إليه الشاطبي في النوع الأول من القسم الأول وهو «وضع الشريعة ابتداء» وذلك لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وكثيراً ما يعبر عنها بالمعاني كما في قولـه: «الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها».([13])

وهذا ما أكده العِزُّ بن عبد السلام قبله بقوله: «والشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح»([14]).. وهذا ابن تيمية يزيد الأمر بياناً فيقول: «إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها».([15])

«والمصالح ضربان: أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللذات، والثاني مجازي وهو أسبابها. وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظاً للأرواح».([16])

غير أن إطلاق المصالح على معناها الحقيقي أولى دفعاً لما قد يقع عند التطبيق من اشتباه بين المقاصد والوسائل وإن كانت الوسائل على اختلاف مراتبها تعد مقاصد باعتبار مآلاتها.

وهذه القيم المصلحية للتشريع شاملة لأقسام ثلاثة:

أ- المقاصد العامة: وهي التي تراعيها الشريعة وتعمل على تحقيقها في كل أبوابها التشريعية كما في الأمثلة المتقدمة عند ابن عاشور.

ب- المقاصد الخاصة: وهي المقاصد التي تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين أو في أبواب قليلة متجانسة. وقد اعتنى بهذا النوع ابن عاشور فتناول منها مقاصد الشارع في أحكام العائلة، والتصرفات المالية وغيرها.

ج- المقاصد الجزئية: وهي ما يقصده الشارع من كل حكم شرعي تكليفي أو وضعي، وهي التي يشير إليها الأستاذ علال الفاسي بقوله: «... الأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها، وهي التي تنطبق عليها أمثلة ابن عاشور من كون عقدة الرهن مقصودها التوثق، وعقدة النكاح مقصودها إقامة وتثبيت المؤسسة العائلية.» ([17])

2- المقصد الإرادي من المكلف: وله بعدان:

أ- إرادة الشارع من المكلف الدخول في التكليف، ائتماراً وانتهاءً، ليكون قصده في العمل موافقاً لقصد الشارع في التكليف.

ب- إرادة امتثال من المكلف لأمر الشارع فعلاً وتركاً، لتحقيق موافقة العمل للقصد من التكليف؛ باعتبار أن كل عمل المتبع فيه الهوى بإطلاق، من غير التفات إلى الأمر والنهي أو التخيير، فهو باطل بإطلاق؛ لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية مطلب الشارع في ذلك مدخل فلـيس إلا مقـتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق.([18])


ثانياً: مراتب المقاصد:

نظراً لما للمقاصد الشرعية من أهمية قصوى في تفهم الحكم الشرعي وتنـزيله، فقد حظيت بعناية العلماء من حيث تقسـيمها وبيان مراتبها بما يعين على النظر الأولوي والموازنة بين المصالح والمفاسد من جهة، وبين مراتب المصالح أو المفاسد في ذاتها من جهة أخرى، ومن ثم فقد حصل تقسيم المقاصد باعتبارات مختلفة كما يلي:

1- من حيث مدى الحاجة إليها، إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.

2- من حيث العموم والخصوص، إلى: كلية وهي العائدة إلى مجموع الأمة أو غالبيتها، وجزئية وهي العائدة إلى الأفراد.

3- من حيث قوتها في ذاتها، إلى: قطعية، وظنية، ووهمية.

4- من حيث شهادة الشرع لها بالاعتبار أو الإلغاء، إلى: معتبرة، وملغاة، ومرسلة.

بيد أن التقسيم الأول أهم وأجمع وألصق بجانب الاجتهاد التطبيقي، وعليه فسأقتصر على بيان هذا التقسيم مع الإشارة إلى التقسيمات الأخرى عند الحاجة.

وهذه المراتب تصنف قوة من الضروري ثم الحاجي ثم التحسيني، ولكل قسم منها تكملة مشروطة بعدم العودة على أصلها بالإبطال وإلا ألغيت.

1- المقاصد الضرورية:

وهي ما لابد منها في قيام مصـالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.([19])

وقد مثل جماهير علماء الأصول لهذا القسم بالكليات الخمس، محاولين في ذلك حصرها فيها وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وحكى القرافي إضافة البعض قسماً سادساً وهو حفظ العرض([20])، وتبناه ابن السبكي.([21])

ودافع عن هذا الشوكاني فقال: «وقد زاد بعض المتأخرين سادساً وهو حفظ الأعراض؛ فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم، وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى، وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد، وهو أحق بالحفظ من غيره، فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى على نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه ولهذا يقول القائل:

يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول»([22])

وقد ردَّ ابنُ عاشور على هذه الدعوى معتبراً حفظ الأعراض ليس من الضروري بل هو حاجي وأن ما حمل بعض العلماء على عدّه ضرورياً ما رأوه من ورود حدِّ القذف في الشريعة، رافضاً بذلك الملازمة بين الضروري وبين ما في تفويته حدٌّ.([23])

ومن المعاصرين من طالب بصياغة جديدة لهذه المقاصد لتشمل من بين ما تشمل «حرية الفرد وحقوقه الأساسية»([24])؛نظراً لتغير الظروف الاجتماعية وما ينتج عن الاحتكاك القائم بين الفرد والدولة، حيث يسود العالم الإسلامي استبداد مطلق وكَبْت للحريات وانتهاك للحقوق الأساسـية للفرد التي كفلتها الشريعة. والدافع إلى إضـافة هذا المقصد ما عساه أن ينتج عن إبراز هذا المقصد أكاديمياً وإعلامياً من حسٍّ حضاري وأخلاقي يؤدي إلى تحسين وضع الحريات والحقوق الأساسية للمواطن المسلم في العالم الإسلامي.

وفي رأيي المتواضع أن الادعاءين كليهما: ادعاء انحصار المقاصد الضرورية في الخمس المعروفة، وادعاء عدم إيفاء هذه الخمس بالمقاصد الضرورية صحيح من وجه وقابل للنقاش من وجه آخر. فإذا أردنا الاختصار والإجمال فالحصر في الخمس موف بالمطلوب، وكل ما رام بعض المتأخرين إضافته إلى الضروريات الخمس لا يخرج عند التحقيق عنها، فهو لا يعدو أن يكون تفريعاً وتفصيلاً للكليات الخمس.. أما إذا قصدنا التفصيل أو تسليط الضوء على بعض الضروريات لمعالجة ظاهرة من الظواهر التي تفشت في مجتمعاتنا، أو للفت الأنظار وترسيخ مبدأ من المبادئ أو قيمة من القيم فيمكن إضافة سادس وسابع وأكثر من ذلك، ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم، ولكن دون الادعاء أن ما أضيف اكتشاف جديد وأن ما ذكره المتقدمون قاصر.

وإذا ما حقق في طبيعة هذه الضروريات الخمـس فسيتضح شمولها؛ إذ هي عائدة إلى مصالح الناس:

- بحفظ دينهم ومثلهم العليا، التي يمتازون بها إنسانياً وحضارياً، ويستهدفها سعيهم في حياتهم الدنيا.

- وحفظ أرواحهم وحقهم في الحياة، وجوداً مادياً ومعنوياً، عزة وكرامة. والوجود المعنوي هو الذي جهد الإسلام في تحقيقه للإنسان في المجتمع البشري؛ إذ هو المقصود من الوجود المادي، أما الوجود المادي المجرد فيشترك فيه سائر الكائنات الإنسانية، والوجود المعنوي قوامه المثل العليا والمبادئ والقيم الخالدة.

- حفظ أموالهم وتيسير سبل تنميتها، ووجوب استثمارها، والمال يمثل الجهد المجسد للإنسان، وثمرة سعيه المشروع، وهو قوام الحياة.

- حفظ عقولهم، التي هي أساس إنسانيتهم وقوام فطرتهم، ومناط التكليف والمسؤولية، وسبب التقدم الإنساني والحضاري، من كل ما يشل طاقتها الفكرية، ويقضي بالتالي على الكرامة الإنسانية.

- حفظ نسلهم، الذي يمثل صورة وجودهم وحافز نشاطهم، وبقاء نوعهم في أجياله المتعاقبة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.([25])

وحفظ هذه الضروريات يتم من جانبين :

- جانب الوجود بما يقيم أركانها ويثبت قواعدها.

- ومن جانب العدم بما يدفع عنها الاختلال الواقع أو المتوقع.([26])

2- المقاصد الحاجية:

وهو ما تحتاج إليه الأمة لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام ولكنه يكون على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري.([27]) ومن أمثلتها في العبادات: الرخص المخففة بالنسبة للحوق المشقة بالمرض والسفر كإباحة الفطر للمريض والمسافر، وقصر الصلاة للمسافر، والتيمم لفاقد الماء. وفي العادات كإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً ومركباً.. وفي المعاملات كالقراض، والمساقاة، والسلم، وسائر المعاملات التي لا يتوقف عليها حفظ الضرورات الخمس.

3- المقاصد التحسينية:

وهي من قبيل رعاية أحسن المناهج في محاسن العادات([28]) وهو كل ما يتصل بالأخلاق الرفيعة، والكمالات النفسـية، والآداب العامـة، وما يزين الحياة ويجملها في إطار قواعد الشرع وحدوده: (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ)) (الأعراف:32) لتكون الأمة بهية المنظر، مرغوباً في الاندماج فيها والتقرب منها من الأمم الأخرى. وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات: كالطهارات، وآداب الأكل والشرب، والمنع من بيع النجاسات.

وهذه الأمور وأمثالها كما يقول الشاطبي: «راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية؛ إذ ليس فقدانها بمخل بأمر ضروري ولا حاجي، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين».([29])

أهمية هذا الترتيب:

تبرز أهمية هذا الترتيب للمقاصد فيما يلي:

أ- إن معرفة مقصد الشارع من الحكم الشرعي يعين على فهم النص على وجهه الصحيح، ومن ثم تساعد على حسن تنـزيله على الوقائع سواء من جهة الاهتداء بفهم المقصد العام في تنـزيل الحكم الكلي على الجزئيات، أو الترجيح بين ما ظاهره التعارض.

ب- إن هذا التقسيم يحدد مراتب الأحكام الشرعية بحسب المقصود منها، فالضروريات مقدمة على الحاجيات، والحاجيات مقدمة على التحسينيات ، والنازل مكمل للعالي، فلا يراعى الحكم النازل كالتحسيني مثلاً إذا عاد على الحاجـي أو الضـروري بالإخـلال، أما الضروري فلا يجوز الإخلال به إلا إذ أَخَلَّ بكلي أهم منه كالتضحية بالنفس في الجهاد للحفاظ على الدين.


([1]) لسان العرب، 7/355.

([2]) المصباح المنير،2/504.

([3]) انظر طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط/2- د.ت)، ص98.

([4]) الموافقات،1/87.

([5]) حاشية عبد الله دراز على الموافقات، 2/5.

([6])الموافقات،2/5 وما بعدها،وانظر نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي،ص124-142.

([7]) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص51.

([8]) المصدر السابق، ص146.

([9]) المصدر السابق، ص63.

([10]) نقلاً عن نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص6.

([11]) المصدر السابق، ص7.

([12]) الحسني، إسماعيل،نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور (هرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط/1-1416هـ)، ص119.

([13]) الموافقات، 2/385

([14]) السلمي، الإمام أبو محمد عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (بيروت: مؤسسة الريان، ط-1990)، 1/11.

([15]) مجموع الفتاوى، 20/48.

([16]) قواعد الأحكام، 1/14.

([17]) انظر نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، 7-8.

([18]) انظر الموافقات، 2/173.

([19]) انظر الموافقات، 2/8.

([20]) القرافي، شهاب الدين، شرح تنقيح الفصول، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد (مصر: مكتبة الكليات الأزهرية، د.ت)، ص391.

([21]) ابن السبكي، شرح جمع الجوامع مع حاشية البناني (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، د.ت)، 2/280.

([22]) إرشاد الفحول، ص366 .

([23]) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص81-82.

([24]) الخمليشي، أحمد، وجهة نظر (الرباط: دار المعرفة ، ط1-1988م)، ص300.

([25]) المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، ص617.

([26]) انظر الموافقات، 2/8.

([27]) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص82.

([28]) أمير باد شاه، محمد أمين، تيسير التحرير، على كتاب التحرير لابن الهمام (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، 3/306.

([29]) الموافقات، 2/12.

Cant See Links
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
developed by: IEG